فخر الدين الرازي

105

تفسير الرازي

ويحتاج إلى إضمار الباء أو ما يجري مجراه في قوله * ( أن يؤتى ) * لأن التقدير : ولا تصدقوا إلا من تبع دينكم ، بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، فقد اجتمع في هذا التفسير الحذف والإضمار وسوء النظم وفساد المعنى ، قال أبو علي الفارسي : لا يبعد أن يحمل الإيمان على الإقرار فيكون المعنى : ولا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم ، وعلى هذا التقدير لا تكون اللام زائدة ، لكن لا بد من إضمار حرف الباء أو ما يجري مجراه على كل حال ، فهذا محصل ما قيل في تفسير هذه الآية والله أعلم بمراده . ثم قال تعالى : * ( قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) * . واعلم أنه تعالى حكى عن اليهود أمرين أحدهما : أن يؤمنوا وجه النهار ، ويكفروا آخره ، ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة الإسلام . فأجاب عنه بقوله * ( قل إن الهدى هدى الله ) * والمعنى : أن مع كمال هداية الله وقوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة قوة ولا أثر والثاني : أنه حكى عنهم أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا من الكتاب والحكم والنبوة . فأجاب عنه بقوله * ( قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ) * والمراد بالفضل الرسالة ، وهو في اللغة عبارة عن الزيادة ، وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان ، والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير ، ثم كثر استعمال الفضل لكل نفع قصد به فاعله الإحسان إلى الغير وقوله * ( بيد الله ) * أي إنه مالك له قادر عليه ، وقوله * ( يؤتيه من يشاء ) * أي هو تفضل موقوف على مشيئته ، وهذا يدل على أن النبوة تحصل بالتفضل لا بالاستحقاق ، لأنه تعالى جعلها من باب الفضل الذي لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله ، ولا يصح ذلك في المستحق إلا على وجه المجاز وقوله * ( والله واسع عليم ) * مؤكد لهذا المعنى ، لأن كونه واسعاً ، يدل على كمال القدرة ، وكونه عليماً على كمال العلم ، فيصح منه لمكان القدرة أن يتفضل على أي عبد شاء بأي تفضل شاء ، ويصح منه لمكان كمال العلم أن لا يكون شيء من أفعاله إلا على وجه الحكمة والصواب . ثم قال : * ( يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) * وهذا كالتأكيد لما تقدم ، والفرق بين هذه الآية وبين ما قبلها أن الفضل عبارة عن الزيادة ، ثم إن الزيادة من جنس المزيد عليه ، فبيّن بقوله * ( إن الفضل بيد الله ) * إنه قادر على أن يؤتى بعض عباده مثل ما آتاهم من المناصب العالية ويزيد عليها من جنسها ، ثم قال : * ( يختص برحمته من يشاء ) * والرحمة المضافة إلى الله سبحانه أمر أعلى من ذلك الفضل ، فإن هذه الرحمة ربما بلغت في الشرف وعلو الرتبة إلى أن لا تكون من جنس